Excerpt for محمد رسول اللّٰه Muhammad Mustafa by Osman Nuri Topbas, available in its entirety at Smashwords

The Exemplar Beyond Compare


Muhammad Mustafa


by

Osman Nuri Topbas


The Secret In The Love For God

Published by Osman Nuri Topbas at Smashwords

Copyright © 2010 by Osman Nuri Topbas


Smashwords Edition, License Notes

All rights reserved. No part of this publication may be reproduced, stored in a retrieval system, or transmitted in any form or by any means, electronic, mechanical, photocopying, recording or otherwise, without the prior permission of the copyright owner.


Istanbul 2010

E-mail: info@worldpublishings.com

http://www.islamicpublishing.netWeb site :




الشخصية المثالية الفريدة

محمد رسول اللّٰه

صلى اللّٰهُ عليه وسلم



تأليف

عثمان نوري طوبّاش




ترجمة

د.عبد اللّٰه المصري



راجعه وحققه وصححه

د. آدم أقين



بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ

عرّف الحق(جَلَّ جَلَالُه)رسوله(صلى الله عليه وسلم)فقال:

»وَمَٓا اَرْسَلْنَاكَ اِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَم۪ينَ« (الأنبياء، 107)

»يَٓا اَيُّهَا النَّبِيُّ اِنَّٓا اَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذ۪يرًاۙ. وَدَاعِيًا اِلَى اللّٰهِ بِاِذْنِه۪ وَسِرَاجًا مُن۪يرًا« (الأحزاب، 45-46)

»لَقَدْ كَانَ لَكُمْ ف۪ي رَسُولِ اللّٰهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللّٰهَ وَالْيَوْمَ الْاٰخِرَ وَذَكَرَ اللّٰهَ كَث۪يرًا« (الأحزاب، 21)

»وَاِنَّ لَكَ لَاَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَاِنَّكَ لَعَلٰى خُلُقٍ عَظ۪يمٍ« (القلم، 3-4)

»يَٓا اَيُّهَا الَّذ۪ينَ اٰمَنُٓوا اَط۪يعُوا اللّٰهَ وَاَط۪يعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُٓوا اَعْمَالَكُمْ« (محمد، 33)

»وَمَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَالرَّسُولَ فَاُو۬لٰٓئِكَ مَعَ الَّذ۪ينَ اَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّ۪نَ وَالصِّدّ۪يق۪ينَ »وَالشُّهَدَٓاءِ وَالصَّالِح۪ينَۚ وَحَسُنَ اُو۬لٰٓئِكَ رَف۪يقًا« (النساء، 69)

»اِنَّ اللّٰهَ وَمَلٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّۜ يَٓا اَيُّهَا الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْل۪يمًا« (الأحزاب، 56)

صدق اللّٰهُ العظيم



المقدمة

نحمد اللّٰه تعالى حمدًا وثناء دائمين على أنه قد منّ علينا وأحسن إلينا وشّرفنا بأن جعلنا أمة له وأرسل إلينا تاج الأنبياء كلهم وحبيب اللّٰه محمدا(صلى الله عليه وسلم)نبيا ورسولا.

والصلاة والسلام أبدًا على سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم)شمس الشموس ونور الحقيقة والهداية المنير دائمًا في طريق السعادة لبني الإنسان كلهم.

أرسله اللّٰه تعالى للبشرية في أشد أوقاتها تأزمًا وعسرة وأنعم اللّٰه به على الإنسانية رحمة للعالمين في تلك الفترة التي غرقت فيها الدنيا في بحار الظلم والظلمات.

وأكرمنا اللّٰه به مثل نجم الثريا الذي بزغ من الآفاق العالية وجعله نورا يضيئ على الكواكب والنجوم والشموس التي كانت قد لبست رداء الظلام على الدنيا والتي كانت تعيش مجتمعاتها كالسائبة في الوحشة والغفلة والعصيان. أنعم به اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)على الموجودات كلها رحمة أبدية لا تنقطع رحمة على الأحياء والجمادات، والحجر والشجر، والنهر والبحر، والأرض والسماوات، والزمان والمكان وعلى الإنسانية خاصة، فكان وسيلة للبركة و الهداية والرحمة والنجاة.

فهو رحمة؛ لأن الوجود كله قد خلق إكبارًا وتشريفًا له وبقدر محبة الوجود للرسول(صلى الله عليه وسلم)تعلو قيمته في نظر الحق(جَلَّ جَلَالُه) .

وهو رحمة؛ لأن عطفه وحنانه قد شمل الإنسانية كلهم والمخلوقات كلها.

وهو رحمة؛ لأن اللّٰه تعالى تفضل به منبعًا لماء الحياة الأبدية للأفئدة والعقول كلها، ومصدرًا للسعادة الوجدانية والبركة الدائمة.

وهو رحمة؛ لأن اللّٰه تعالى أكرمه بالقرآن مرشد الهداية الخالد.

وهو رحمة؛ لأنه أحب رسول إلى اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)وأعز مخلوق عليه وهو الرسول الذي شّرفه اللّٰه برحلة المعراج.

وهو رحمة؛ فلولاه لتحولت العوالم كلها إلى صحارى قاحلة ووحشية.

وهو رحمة؛ لأن الكون قد خلق من نوره.

وهو رحمة؛ فكل جمال انعكاس منه، والجمال قد خلق إكرامًا لمحياه.

وكل زهرة في هذا العالم قد حُرمت من نوره لم تتفتح، فلولاه لما خُلق شيء في الوجود، وبسببه كان وجودنا مشهودا. فهو بُرعمة إلهية من نور كامل لا تذبل بل تزداد بهاءً ونضارة كلما مرت الأيام.

وهو رحمة؛ لأن اللّٰه تعالى بذاته قد أعلى قدره وقيمته مصليًا عليه على الدوام.

وهكذا فإن العوالم كلها تحت سقف نبوة الرحمة المهداة رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)قد تذوقت راحة البال والسكينة الحقيقية، والإنسانية التي اختنقت وباتت تحتضر بدخان العصيان في دهاليز الجاهلية قد بدأت تلتقط أنفاس الحياة المتجددة من أبواب العلم والحقيقة والعرفان التي فتحها رسولنا الأكرم(صلى الله عليه وسلم) ، وبدأت تنشر جناحيها محلقة إلى السماوات الفسيحة.

لقد كانت الضمائر مثل الأحجار الصلدة فاستحالت طينًا طريًا في يديه المباركة. وكانت القلوب مكدورة ممرغة في الأوساخ والصدأ، فاغتسلت من نبع مائه البلوري وتطهرت، وحلّ النور فيها مكان الظلمة والسواد.

فوحشي الحبشي قبل أن يسلم، كان رجلًا متوحشًا جبارًا يشرب الدماء، ولكن بعد أن سلم قياده لتربية الرسول(صلى الله عليه وسلم)أصبح صحابيًا رقيق الحاشية بكّاء ومثله الكثيرون.

كانت أرواحهم قد أشرفت على الفناء بين مخالب ذميم الصفات، فإذا بهم بعد أن شربوا من نبع الهداية عرفوا الحياة الأبدية، ونال كلهم الفخر والعزة والعظمة، وقُرنت أسماؤهم دومًا بلقب سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم) .

كل ذلك يوضح أن رسولنا الأكرم(صلى الله عليه وسلم)هو أكبر معجزة أبدعها الحق(جَلَّ جَلَالُه)وتفضل به علينا وهو كان معجزة من جميع النواحي الظاهرة والباطنة، فهو الكامل المكمل الكريم المكُرم الحبيب المحبوب.

ولأنه كان رحمة وهدية وإحسانًا من الخالق ذي الجلال لكل العالمين، لذا فكل الصالحين والأصفياء والأولياء والحكماء والفاتحين أقطاب الحقيقة في تاريخ البشر، ما هم إلا انعكاس لذلك النموذج، بل هم جزء منه مثل القمر الذي يعكس ضوء الشمس.

وعلى هذا فطريق القربى من اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)ونيل رضائه يمر من محبة الرسول(صلى الله عليه وسلم)وإتباع سنته. ويوضح الحق(جَلَّ جَلَالُه)هذه الحقيقة في آياته الكريمة فيقول:

»قُلْ اِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُون۪ي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْۜ وَاللّٰهُ غَفُورٌ رَح۪يمٌ« (آل عمران، 31) ويقول الحق(جَلَّ جَلَالُه)في موضع آخر:

»مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ اَطَاعَ اللّٰهَۚ وَمَنْ تَوَلّٰى فَمَٓا اَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَف۪يظًاۜ« (النساء، 80)

وكما تؤكد الآيات فإن المعيار الوحيد لحُب الحق(جَلَّ جَلَالُه)هو أن تكون متبعًا لرسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)مرتبطًا به محلقًا حوله كالفراش، وغير ذلك ليس من الإيمان في شيء. فالمعيار الوحيد لحب اللّٰه هو إتباع نبيه. تلك هي الحقيقة التي لا يستطيع أن يغفل عنها كل من يؤمن باللّٰه تعالى. وعلى ذلك فيجب في تلك الحال أن يكون سيدنا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)حاضرًا في كل وقت وبكل ذرة من حياتنا، ويجب أن تكون شخصيته النموذجية الفريدة معمارًا متميزًا في بناء شخصيتنا، ومن أجل تحقيق ذلك فإن أكبر حاجاتنا ضرورة هي معرفة الرسول عن قرب وإدراك حياته عن قرب أشد، حتى معرفة الأنفاس التي كان يتنفسها. كما يجب أن يتوحد نبض قلوبنا مع قلبه وأن نكون مثل أصحابه الكرام(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)من عشقوا النبي واحترقت أكبادهم محبة له وشوقًا إليه.

ورغم أنه ليس من الممكن أن نصل نحن العاجزين إلى المستوى اللائق به، فإنه لو لم نفعل شيئًا سوى أن نسلك طريقه وأن نكون معه على هديه لكفى. فيا لها من سعادة كبيرة لأن الإحساس ولو بنبضة من شخصيته التي لا نظير لها هي باب الوصول الأبدي.

ولتحقيق هذا فقد سعينا إلى تحبير هذا الكتاب الذي لُحمته النقصان وسُداه العجز – والذي نضعه بين أيديكم على أمل أن يعرّفكم بشخصية النبي(صلى الله عليه وسلم)العظيمة عن قرب – وقد أعددنا خلاصة المعلومات الخاصة بشخصية الرسول العظيمة من تلك المعلومات التي وردت في كتبنا السابقة. وربما لأن حديثنا مهما طال فلن يوفيه حقه فإننا نجد أنفسنا مضطرين أن نشكر اللّٰه علي أكبر نعمة إلهية أنعم بها علينا وهي رسوله(صلى الله عليه وسلم)سواء بالحديث عنه، أو ذكر سيرته أو العيش على هديه وسنته.

والواقع أن أكبر وظيفة لنا على قدر ما تتحمل قدرتنا وقوتنا، هي أن نكون جسرًا يحمل رحمته وحضوره الأبدي -الذي شمل العالمين كلهم - إلى عصرنا الحالي المختنق بالأزمات الجديدة. وأن تعرف الإنسانية كلها - في أجمل شكل وبأفضل لغة – تلك المعجزة التي بلغت ذروة الكمال. وأكبر شرف لنا يمكن أن نحرزه هو أن نقدم النبي(صلى الله عليه وسلم)في أجمل شكل. فيا رب اجعل لنا نصيبًا من شخصيته المعجزة النموذج التي ليس لها نظير، واجعل من قلوبنا قصورًا عامرة بحبه وعشقه، وارزقنا التوفيق والنجاح في امتحان التقوى المتعلق بالتسليم له والارتباط به، واجعلنا أهلًا لرضاك ومحبتك. آمـــــينi



القسم الأول

الشخصية المثالية الفريدة

الأسوة الحسنة / أجمل مثال ونموذج




شخصية سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم)شخصية فريدة

لقد وهب اللّٰه رسوله محمدا(صلى الله عليه وسلم)هدية غالية وعزيزة للبشرية وذلك لمكانته وقيمته العالية عند اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه) . واعتبر وعدّ الإطاعة لحبيبه إطاعة له والبيعة لحبيبه بيعة له(جَلَّ جَلَالُه) . وشرط اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)نيل حبه والوصول إليه إتباع نبيه(صلى الله عليه وسلم) . وتشير الآيات الكريمة ألى هذا المعنى:

«وَمَٓا اَرْسَلْنَاكَ اِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَم۪ينَ» (الأنبياء، 107)

كَانَ النَّبِىُّ(صلى الله عليه وسلم)يُنَادِي مخاطبا أصحابه:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ” (الدارمي، المقدمة، 3)

«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ اَطَاعَ اللّٰهَ» (النساء، 80)

«اِنَّ الَّذ۪ينَ يُبَايِعُونَكَ اِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّٰهَ» (الفتح، 10)

«قُلْ اِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُون۪ي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْۜ وَاللّٰهُ غَفُورٌ رَح۪يمٌ» (اٰل عمرٰن، 30)

وقد منع اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)بشكل قطعي أن يُقَدَّمَ أيُّ شيئ أمامه(جَلَّ جَلَالُه)وأمام حبيبه ورسوله(صلى الله عليه وسلم) . حيث قال:

«يَٓا اَيُّهَا الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَرَسُولِه۪ وَاتَّقُوا اللّٰهَۜ اِنَّ اللّٰهَ سَم۪يعٌ عَل۪يمٌ» (الحجرات، 1)

وتأمر هذه الآية الكريمة وتحدد البقاء والعيش ضمن حدود القرآن والسنة السنية بدون إفراط ولاتفريط. ويجب طبقا لذلك عدم الخروج خارج إطار أوامر اللّٰه ورسوله وتوجيهات القرآن والسنة. حيث أن رسول اللّٰه كان قد ربّى أصحابه طبقا لتوجيهات ووحي القرآن لذلك عندما كان يسأل أصحابه شيئا كانوا يجيبونه قائلين بـ“أن اللّٰه ورسوله أعلم” حتى ولو أنهم كانوا يعرفون تلك المسألة. من أجل ذلك كانوا قد وصلوا القمة في أداب السلوك واللطافة والرقة وحسن الأدب.

لقد طلب اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)من المؤمنين أن يكونوا يقظين وفي غاية الأدب والرقة في خطابهم وسلوكهم حتى في عدم رفع أصواتهم لدى مخاطباتهم وندائهم للرسول(صلى الله عليه وسلم) . وأن أقل خروج أو شذوذ خارجَ هذا الإطار سيبطل أعمالهم. والآيات الكريمة التي تدل على ذلك كثيرة ومنها:

«يَٓا اَيُّهَا الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا لَا تَرْفَعُٓوا اَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَنْ تَحْبَطَ اَعْمَالُكُمْ وَاَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ» (الحجرات، 2)

وأيضا جعل اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)تعظيم قدر الرسول من قبل العباد إمتحانا لدرجة وصولهم إلى تقوى القلوب. واعتبر اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)وصول الإنسان إلى درجة العبودية المنشودة والمطلوبة تعظيم حبيبه وتوقيره. وعد(جَلَّ جَلَالُه)عدم التمسك بآداب مخاطبة الرسول مِن أكبر آثار الجهل.

«اِنَّ الَّذ۪ينَ يَغُضُّونَ اَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ اُو۬لٰٓئِكَ الَّذ۪ينَ امْتَحَنَ اللّٰهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوٰىۜ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَاَجْرٌ عَظ۪يمٌ. اِنَّ الَّذ۪ينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَٓاءِ الْحُجُرَاتِ اَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» (الحجرات، 3-4)

وفي هذا الباب من الممكن أن نستدل بهذه الآية الكريمة:

«لَا تَجْعَلُوا دُعَٓاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَٓاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًاۜ» (النور، 63)

ويفسر ابن عباس هذه الآية بقوله: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)عن ذلك إعظاما لنبيه(صلى الله عليه وسلم)قال: “فقولوا: يا نبي اللّٰه، يا رسول اللّٰه” (ابن كثير، تفسير، النور، 63)

وأن اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)لم يخاطب نبيه محمدا باسمه وبكنيته كما خاطب إخوته من الأنبياء بأسمائهم وإنما خاطبه بصفاته “يا نبي اللّٰه، يا رسول اللّٰه” وذلك تعظيما لقدره. وبهذا قد لقن اللّٰه لعباده درسا عظيما في الأدب والسلوك تجاه حبيبنا ونبينا محمد(صلى الله عليه وسلم) .

وحذر اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)الذين يجهلون مكانة رسول للّٰه وقيمته العالية حيث أقسم اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)بحياة حبيبه الذي هو بمثابة التفسير الحي للقرآن الكريم قائلا:

«لَعَمْرُكَ اِنَّهُمْ لَف۪ي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ» (الحجر، 72)

ولم يُعثر في القرآن الكريم على قسم شبيه بما وقع لنبينا(صلى الله عليه وسلم) .

ويدل على عظمة قدره ومكانته العالية لدى ربنا(جَلَّ جَلَالُه)أن يصلي عليه مع ملائكته وأَمْرِهِ وحثه المؤمنين بأن يصلوا ويسلموا عليه كثيرا وأن لا يغفلوا عن ذكره بقلوبهم وألسنتهم. حيث يقول:

«اِنَّ اللّٰهَ وَمَلٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّۜ يَٓا اَيُّهَا الَّذ۪ينَ اٰمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْل۪يمًا» (الأحزاب، 56)

ولم يكن تكريم اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)وإحسانه للنبي(صلى الله عليه وسلم)محدودا بهذه الهبات العظيمة وإنما تستمر هذه الهبات والعطاءات إلى يوم يبعثون. والدليل على ذلك:

«وَلَسَوْفَ يُعْط۪يكَ رَبُّكَ فَتَرْضٰى» (الضُّحٰى، 5)

بالإضافة إلى كل ذلك أن اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)جعله أشرف الرسل و فضله على جميع الأنبياء والرسل بدرجات عالية كما جعل له مكانة خاصة بينهم. ويدل عليه قوله تعالى:

«تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلٰى بَعْضٍۢ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّٰهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ» (البقرة، 253)

«بَعْضَهُمْ» يعني أحدهم. كلمة «بعض» في العربية تفيد «أحد». والمقصود من هذه الكلمة في هذه الآية: نبينا محمد(صلى الله عليه وسلم) .

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ(صلى الله عليه وسلم)يَنْتَظِرُونَهُ ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ ، فَتَسَمَّعَ حَدِيثَهُمْ فَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَجَباً إِنَّ اللّٰه اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلاً ، فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ. وَقَالَ آخَرُ : مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ «وَكَلَّمَ اللّٰهُ مُوسٰى تَكْل۪يمًاۚ» وَقَالَ آخَرُ : فَعِيسَى كَلِمَةُ اللّٰه وَرُوْحُهُ. وَقَالَ آخَرُ : وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللّٰه. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ:

قَدْ سَمِعْتُ كَلاَمَكُمْ وَعَجَبَكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللّٰه وَهُوَ كَذلِكَ ، وَمُوسَى نَجِيُّهُ وَهُوَ كَذلِكَ وَعِيسَى رُوْحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذلِكَ ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللّٰه تَعَالَى وَهُوَ كَذلِكَ ، أَلاَ وَأَنَا حَبِيبُ اللّٰه وَلاَ فَخْر وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلاَ فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ غَلَقَ الْجَنَّةِ وَلاَ فَخْرَ ، فَيَفْتَحُ اللّٰه فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِى فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ فَخْرَ وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ عَلَى اللّٰه وَلاَ فَخْرَ” (الترمذي، المناقب، 1 /3616؛ الدارمي، المقدمة، 8)

وقَالَ رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم) :

أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ” (الترمذي، تفسير القرآن، 17 /3148)

وبسبب جميع هذه الصفات والخصائص العالية للرسول(صلى الله عليه وسلم)وكأن اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)طلب من المؤمنين أن يذوبوا ويفنوا في الرسول(صلى الله عليه وسلم)وأن يعيشوا في حالة وكأنهم يعرضون أعمالهم على الرسول الكريم. وأكبر دليل على ذلك أن اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)أمر المؤمنين بأن يسلموا على الرسول(صلى الله عليه وسلم)وهم في قعدة التشهد بجميع الصلوات وكأنه واقف أمامهم قائلين “اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللّٰهِ وَبَرَكَاتُهُ” على الرغم من أن قراءة السلام على الشخص في الصلاة يفسد الصلاة.

والإمام أبو حامد الغزالي يقول وهو يشرح هذه الحكمة:

وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدِّباً وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة للّٰه. وكذلك الملك للّٰه وهو معنى «التحيات» وأحضر في قلبك النبي(صلى الله عليه وسلم)وشخصه الكريم وقل «سلام عليك أيها النبي ورحمة اللّٰه وبركاته» وليصدق أملك في أنه يبلغه ويَرُدُّ عليك ما هو أوفى منه” (أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، 1/224)

وينقل الشيخ خالد البغدادي (قدس سره) في الرسالة الرابعة من كتابه المكتوبات عن العلامة الشيخ الشهاب ابن حجر المكي في شرح العباب في بيان معاني كلمات التشهد ما نصه:

وخوطب(صلى الله عليه وسلم)كأنه إشارة إلى أنه تعالى يكشف له عن المصلين من أمته حتى يكون كالحاضر معهم ليشهد لهم بأفضل أعمالهم وليكون تذكر حضوره سببًا لمزيد الخشوع والخضوع”ii

والنتيجة أن محمدا(صلى الله عليه وسلم)أحب العباد إلى اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)وأشرف المخلوقات حيث أنه فخر الدنيا والآخرة هادي ومنقذ البشرية في هذه الدار وشفيعهم في الآخرة. وأن آدم أبا البشر(عَلَيْهِ السَّلَامُ)عندما أُبعد عن الجنة تاب إلى ربه وطلب منه المغفرة فعفا اللّٰه عنه بتوسله بنبينا محمد(صلى الله عليه وسلم)كما أنه أصبح منذ أن بعثه اللّٰه وسيلة لهداية البشرية كلهم. والشاهد على ذلك ما ورد في الحديث الشريف:

لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب! أسألك بحق محمد لما غفرت لي. فقال: اللّٰه يا آدم! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال يا رب! لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا اللّٰه محمد رسول اللّٰه، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال اللّٰه: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك”iii

وهكذا فقد توسل سيدنا آدم(عَلَيْهِ السَّلَامُ)في الدعاء بالرسول الكريم(صلى الله عليه وسلم)فعفا اللّٰه عنه. وهذا الرسول الكريم(صلى الله عليه وسلم)الذي كان نطفة قد انتقل إلى صلب سيدنا إبراهيم(عَلَيْهِ السَّلَامُ)فجعل النار عليه بردًا وسلامًا. وهذه اللؤلؤة الكريمة عندما دخلت إلى صُلب إسماعيل(عَلَيْهِ السَّلَامُ)أُنزل الفداء من السموات باسمه.

ومثلما رأينا فإن الأنبياء جميعًا قد نالتهم العناية الإلهية بسبب الرسول الأكرم(صلى الله عليه وسلم)حتى أن سيدنا موسى(عَلَيْهِ السَّلَامُ)أراد أن يكون من أمة محمد كي يحصل على البركة والفضل الذي أُعد لأمة محمد(صلى الله عليه وسلم) . فعن قتادة بن النعمان (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أن سيدنا موسى(عَلَيْهِ السَّلَامُ)قال:

رَبّ إِنِّي أَجِد فِي الْأَلْوَاح أُمَّة خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر فاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: «تِلْكَ أُمَّة أَحْمَد» قَال:

رَبّ إِنِّي أَجِد فِي الْأَلْوَاح أُمَّة هُمْ الْآخِرُونَ -أَيْ آخِرُونَ فِي الْخَلْق سَابِقُونَ فِي دُخُول الْجَنَّة- رَبّ اِجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: «تِلْكَ أُمَّة أَحْمَد» قَالَ:

رَبّ إِنِّي أَجِد فِي الْأَلْوَاح أُمَّة أَنَاجِيلهمْ فِي صُدُورهمْ يَقْرَءُونَهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلهمْ يَقْرَءُونَ كِتَابهمْ نَظَرًا حَتَّى إِذَا رَفَعُوهَا لَمْ يَحْفَظُوا شَيْئًا وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وَإِنَّ اللّٰه أَعْطَاهُمْ مِنْ الْحِفْظ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنْ الْأُمَم قَالَ رَبّ اِجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: «تِلْكَ أُمَّة أَحْمَد» قَالَ:

رَبّ إِنِّي أَجِد فِي الْأَلْوَاح أُمَّة يُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّل وَبِالْكِتَابِ الْآخِر وَيُقَاتِلُونَ فُصُول الضَّلَالَة حَتَّى يُقَاتِلُونَ الأعْوَر الْكَذَّاب، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: «تِلْكَ أُمَّة أَحْمَد» قَالَ:

رَبّ إِنِّي أَجِد فِي الأَلْوَاح أُمَّة صَدَقَاتهمْ يَأْكُلُونَهَا فِي بُطُونهمْ وَيُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلهمْ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَقُبِلَتْ مِنْهُ بَعَثَ اللّٰه نَارًا فَأَكَلَتْهَا، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ تُرِكَتْ فَتَأْكُلهَا السِّبَاع وَالطَّيْر، وَإِنَّ اللّٰه أَخَذَ صَدَقَاتهمْ مِنْ غَنِيّهمْ لِفَقِيرِهِمْ، قَالَ: رَبّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: «تِلْكَ أُمَّة أَحْمَد» قَالَ:

رَبّ إِنِّي أَجِد فِي الأَلْوَاح أُمَّة إِذَا هَمَّ أَحَدهمْ بِحَسَنَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائَةٍ، قال: رَبّ اِجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: «تِلْكَ أُمَّة أَحْمَد» قَالَ:

رَبّ إِنِّي أَجِد فِي الأَلْوَاح أُمَّة هُمْ الْمَشْفُوعُونَ وَالْمَشْفُوع لَهُمْ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: «تِلْكَ أُمَّة أَحْمَد» قَالَ قَتَادَة فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللّٰه مُوسَى نَبَذَ الْأَلْوَاح وَقَالَ «اللّٰهم اِجْعَلْنِي مِنْ أُمَّة أَحْمَد»”iv

والحاصل أن كل حلقة من سلسلة الأنبياء الهداة المباركين كانت بشير سعد على قدوم المصطفى(صلى الله عليه وسلم)الذي أُرسل رحمة للعالمين.

وفي النهاية فإن النور المنتظر قد نزل إلى عالم الشهود، فقبيل بزوغ شمس يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول للعام الحادي والسبعين بعد المائة الخامسة من ميلاد المسيح تشرف الزمان كل الزمان وتشرف المكان كل المكان.

ومع ظهور النبي(صلى الله عليه وسلم)فاضت رحمة اللّٰه تعالى وزادت في هذا العالم. وتغيرت ألوان الصباح والمساء، وتعمقت المشاعر، وتواضعت الكلمات والأحاديث والملذات. واكتسب كل شيء معنى مختلفًا وجمالًا آخر. واهتزت الأصنام و سقطت، وتحطمت الأعمدة والشرفات في قصور مدائن كسرى، وغاضت بحيرة ساوة. وامتلأت القلوب بالبركة والصفاء، وشملت هذه البركة الكون كله أي الأزمنة والأمكنة والكائنات كلها.

لو لم يشُرف سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم)-الذي جمع في نفسه الفضائل كلها- هذه الدنيا لبقيت الإنسانية في الظلم والوحشة حتى قيام الساعة. ولأصبح الضعفاء أسرى الأقوياء.ولانتصر الشر على الخير، ولحكم الدنيا الظالمون والطغاة.

وقد أحسن الشاعر إذ يقول:

يا رسول اللّٰه لو لم تأت إلى الدنيا

لما تفتحت الورود ولما غرد البلبل ولبقيت الأسماء مجهولة لآدم(عَلَيْهِ السَّلَامُ)

ولم يبق للوجود أي معنى ولغرق العالم في الحزن والأسى.

وقد تحدث مولانا جلال الدين الرومي (قُدس سره) عن ضرورة أن نشعر بالمنة والفضل لمجيء رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)الذي حطم الأصنام، ونشر العدل على الأرض، ورفع الظلم عن الصدور فقال:

أيا مسلم هذا الزمان لولا جهاد سيدنا أحمد(صلى الله عليه وسلم)وحماسته وهمته في تحطيم الأصنام. لكنت أنت الآن مثل أجدادك تعبد الأصنام”.

إن هذا الإنسان الأُمي الذي ظهر في مجتمع جاهلي بعيد عن الحضارة كما أنه أعجز رجال العصر بعلمه وحكمته، فإنه قد جاء بمعجزة لم يستطع أحد أن يصل إليها ولن يصل إليها أحد إلى يوم القيامة ألا وهي معجزة القرآن الكريم. فالقرآن الكريم تحدث عن الأحداث التاريخية التي حدثت في الماضي، كما تناول الكثير من المسائل العلمية والفنية التي ستحدث في المستقبل، ولم يستطع أحد منذ ألف وأربعمائة عام أن يكذّبه. بينما الحال أن أشهر دوائر المعارف اليوم تضطر كل عام أن تصحح وتجدد من نفسها مضيفة كل عام مجلدًا إضافيًا.

وهذا النبي اليتيم الأمي لم يتلق العلم عن أحد من البشر، بل جاء لينقذ البشرية كلها وليكون ترجمانًا لعالم الغيب، ومعلمًا أكبر في مدرسة الحق(جَلَّ جَلَالُه) .

فسيدنا موسى(عَلَيْهِ السَّلَامُ)قد جاء بطائفة من الأحكام. وسيدنا داود(عَلَيْهِ السَّلَامُ)جاء بالدعاء والابتهال والمناجاة إلى اللّٰه تعالى. وسيدنا عيسى(عَلَيْهِ السَّلَامُ)أُرسل لتعليم البشر مكارم الأخلاق والزهد. أما سيدنا محمد المصطفي(صلى الله عليه وسلم)نبي الإسلام فقد جاء بهذا كله. فقد علّم الشرائع والأحكام، وعلم الناس تزكية النفس، وعلمهم الدعاء إلى اللّٰه بقلب نقي. وعرّفهم مكارم الأخلاق، وكان لهم نموذجًا معاشًا، ووصاهم بعدم الانخداع بزخرف الدنيا الزائل. وبإيجاز جمع في نفسه مهام الأنبياء أجمعين وقدراتهم جميعها. وتجمعت فيه أصالة النسب والأدب، وسعادة الجمال والكمال.

عاش رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)في مجتمع جاهلي أربعين سنة وكانت أكثر الكمالات والفضائل التي طرحها بعد ذلك مجهولة لأولئك الناس في ذلك المجتمع. ولم يكن رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يُعرف كرجل دولة وواعظ وخطيب. و لم يكن يُعرف كجندي فضلًا عن الحديث عن كونه قائدًا كبيرًا.

ولكن بلا شك كان بلوغه سن الأربعين نقطة الذروة الكبرى للإنسانية.

فقبل تلك السن لم يكن(صلى الله عليه وسلم)يستمع لأحد يتحدث عن تاريخ الأمم والأنبياء السابقين، ويتكلم عن يوم القيامة وعن الجنة والنار. ولكنه فقط كان يعيش مع نفسه حياة علوية ذات خلق رفيع. ولكن بعد العودة من غار حراء بتلك المهمة الإلهية تغير كل ذلك تمامًا.

وعندما بدأ(صلى الله عليه وسلم)بالدعوة والتبليغ أصيبت الجزيرة العربية كلها بالدهشة والخوف فقد سحرتهم بلاغة النبي(صلى الله عليه وسلم)وخطابته المعجزة وأصبحت مسابقات الشعر والأدب والبلاغة خاوية على عروشها. ولم يعد أي شاعر يستطيع أن يعلق أشعاره التي فازت في المسابقة على أستار الكعبة. وهكذا أصبح التراث الذي جاء من قرون في ذمة التاريخ. ويُحكى في هذا أن أخت الشاعر المشهور امرؤ القيس عندما سمعت الآية الكريمة التي تقول:

«وَق۪يلَ يَٓا اَرْضُ ابْلَع۪ي مَٓاءَكِ وَيَا سَمَٓاءُ اَقْلِع۪ي وَغ۪يضَ الْمَٓاءُ وَقُضِيَ الْاَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَق۪يلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِم۪ينَ» (هود، 44)

مضت قائلة:

لم يستطع أحد أن يقول شيئا. ولا فائدة من تعليق قصيدة أخي علي جدران الكعبة. لأنه لم يبق أي مغزى لقول أي شاعر حتى يتباهى به”

وعندها أنُزلت معلقة امرؤ القيس التي كانت على مقدمة القصائد من على جدران الكعبة ثم تبعتها المعلقات العشر الواحدة تلو الأخرى.v

وقد علّم رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)الإنسانية كلها المعنى الحقيقي لكون الإنسان خليفة اللّٰه على الأرض. ووضع أكمل القواعد في المجالات كلها مثل الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وإدارة السكان والعلاقات الدولية. تلك المجالات التي لم تستطع النخبة من رجال العلم إدراك حكمتها الحقيقية إلا بعد أبحاثهم التي استغرقت جل أعمارهم، وبعد تجاربهم الواسعة على الإنسان والأشياء. ومن المحقق أن الإنسانية كلما تطورت من ناحية المعرفة النظرية والتجربة العملية كلما أمكنها أن تدرك أكثر “الحقيقة المحمدية”

فرسولنا العظيم(صلى الله عليه وسلم)الذي اشترك في الحرب لأول مرة كمُشاهد فقط دون أن يتناول سيفًا في يديه، قد أصبح دون أن يتلقى أي تعليم عسكري قائدًا محنكًا، وجنديًا شجاعًا وجسورًا لا يتأخر عن أقسى الحروب اللازمة لتحقيق التوحيد والصلح الاجتماعي على الرغم من رحمته الواسعة التي شملت الإنسانية كلها.

وكان رسولنا(صلى الله عليه وسلم)يطرق الأبواب بابًا بابًا ليبلغ دين اللّٰه تعالى لبني الإنسان. ولكن التعساء هم الذين رفضوا الهداية وأغلقوا أبوابهم دونه، وخافوا من شمسها أن تصل إليهم، وظلوا في الظلمات إلى الأبد. حتى أن بعضهم بسبب قساوة قلوبهم تعاملوا معه بغلظة. ولكنه(صلى الله عليه وسلم)كان يتأثر بسبب غفلتهم وجهالتهم وليس بسبب تصرفاتهم القاسية معه. وكان يقول لمثل هؤلاء:

«قُلْ مَٓا اَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ اَجْرٍ وَمَٓا اَنَا۬ مِنَ الْمُتَكَلِّف۪ينَ» (ص، 86)

أي أنه كان يريد فقط رضاء اللّٰه تعالى دون هدف آخر. وقد نجح رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)خلال تسعة أعوام في فتح جزيرة العرب كلها بقوة عسكرية تعادل ثلث قوة العدو في كثير من الأحيان. إلا أنه حقق نجاحًا باهرًا في الفتوحات بالتعليم العسكري الذي أعطاه لأهل ذلك العصر غير المنظمين والفوضويين وبالقوة الروحية التي غذّاهم بها وحقق تلك الفتوحات كلها بخسائر ضئيلة جدًا في الأرواح لا تكاد تذكر. وهو في هذه الناحية قد لقن أكبر وأقوي إمبراطورتين في هذا الوقت وهما الروم والفرس أقسى الهزائم.

وهكذا استطاع رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)رغم الظروف السلبية كلها، أن يحدث أكبر انقلاب في تاريخ البشرية، وأن يمحو المظالم وأن يكفف دموع المظلومين. وكانت يده المباركة تمسح على رؤوس اليتامى، وكانت أنوار رحمته تخلص القلوب من الغم.

وقد عبّر الشاعر التركي محمد عاكف عن هذا أجمل تعبير حيث يقول:

عندما أقول أن ذلك اليتيم قد وصل إلى الأربعين.

فإن الأقدام الدامية التي كانت تسير على الرؤس قد تزكت

ذلك المعصوم حرر الإنسانية في النفخة الإيمانية التي بثها في قلوب الناس

وصرع القياصرة والكياسرة في حملة واحدة ودمرهم تدميرا

وأنقذ(صلى الله عليه وسلم)العاجزين والمطهدين الذين لم يكن لهم حق سوى الذل والهوان

وكان لا يخطر على بال الظلم بأنه سيزول يوما إلا أنه قد مات وفطس

نعم، وكان شرعه المبين الذي أتى به كان رحمة للعالمين

وقد مد(صلى الله عليه وسلم)أجنحة الرحمة على وطن الذين ينشدون العدل

كل ما تملكه الدنيا فهي من هباته(صلى الله عليه وسلم)

المجتمع بأسره والفرد بأجمعه مديون له(صلى الله عليه وسلم)

فالبشرية كلها مديونة لذلك المعصوم(صلى الله عليه وسلم)

يا رب احشرنا واجمعنا بهذا الإقرار يوم الحشر

لقد كان سبيل سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم)سيد الأنبياء والمرسلين بحرًا واسعًا، أما سبل الأنبياء الآخرين فكانت أنهارًا تصب في ذلك البحر. لقد كان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)صاحب الأوصاف والميزات الفارقة كلها -المعلومة والمجهولة- لما يقرب من مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول -حسب بعض الروايات- جاءوا قبله، والتي كانت تشكل ذروة الأخلاق والخصال الجميلة. و إضافة إلى التطور الذي أحرزته الإنسانية حتى عصره من ناحية الفكر والحياة، فإن شخصيته تمثل “النموذج المثالي” الذي يمكن أن يواجه احتياجات الإنسانية التي يمكن أن تحدث حتى يوم القيامة. ولهذا السبب فقد بُعث إلى الإنسانية كلها كـ “نبي آخر الزمان”.

لذا فقد وصف رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)أخلاقه العالية في بيان بسيط فقال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” (الموطأ، حسن الخلق، 8)

ومرة أخرى فهو لم يترك ميراثًًا دنيويًا خلفه، بل ترك للإنسانية كلها أفضل ميراث وأعظمه وهو شخصيته وأخلاقه العظيمة.




الأسوة الحسنة / أجمل مثال ونموذج

لقد كان النبي محمد(صلى الله عليه وسلم)هو الشخص والرسول الوحيد الذي سجل التاريخ حياته كلها كاملة حتى أدق التفاصيل فيها. والواقع أن من كمال الأنبياء أنهم يشكلون أمثلة متفردة في توجيه الإنسانية إلى الحق والخير. وقد انتقلت سلوكياتهم وتصرفاتهم إلى يومنا الحاضر ولكن بقدر محدود ومعين. أما نبي آخر الزمان(صلى الله عليه وسلم)فقد سُجلت حياته لحظة بلحظة، بالشكل الذي يعكس أفعاله وكلامه كله من أبسطها إلى أعظمها وأكملها. وقد سُجلت حياته في التاريخ كلوحة شرف وفخر. فضلًا عن ذلك فإن هذه الأفعال والأقوال قد جاءت بلطف اللّٰه تعالى من لدن عصره(صلى الله عليه وسلم)وسوف تصل حتى آخر إنسان يأتي قبيل يوم القيامة.

ولكي نستطيع أن نجنب أنفسنا فتنة الحياة في مواجهة الابتلاء والمصائب والمفاجآت لابد لنا أن نطبق أخلاق النبي(صلى الله عليه وسلم)العالية مثل: الشكر، والتوكل، والرضا بالقدر، والصبر على البلاء، والعزيمة، والشجاعة، والتضحية، والقناعة، وثراء القلب، والعمل للغير، والكرم، والتواضع والثبات في مواجهة الحوادث في حياتنا أفضل تطبيق وأجمله.

ولكي يكون هناك نموذج في هذه الأمور كلها، فقد أرسل الحق(جَلَّ جَلَالُه)هدية إلى البشرية كلها: ألا وهو سيدنا محمد رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)المرشد الكامل بحياته الطاهرة النموذجية والمثالية.

إن حياة رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)هي النموذج للأجيال القادمة كلها حتى يوم القيامة. وقد تحدث القرآن الكريم عنه فقال:

«وَاِنَّ لَكَ لَاَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍۚ. وَاِنَّكَ لَعَلٰى خُلُقٍ عَظ۪يمٍ» (القلم، 3، 4)

وقد شكلت شخصية الرسول(صلى الله عليه وسلم)وهديه المبارك ذروة منظومة السلوك البشري بمظاهرها وعلاماتها التي أمكن لإدراك الإنسان الخالص استيعابها. و شخصية النبي القدوة قد أكملت وظيفة الإرشاد فقد كان هو نفسه(صلى الله عليه وسلم)نموذجًا حيًا يعيش في داخل الإنسانية.

وقد قدم اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)وجوده المبارك -الأسوة الحسنة بالتعبير القرآني- إلى الإنسانية كلها لتكون شخصيته نموذجًا في أكمل صورة وفي ذلك تقول الآية الكريمة:

«لَقَدْ كَانَ لَكُمْ ف۪ي رَسُولِ اللّٰهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللّٰهَ وَالْيَوْمَ الْاٰخِرَ وَذَكَرَ اللّٰهَ كَث۪يرًا» (الأحزاب، 21)

فكل صفحة من حياة سيدنا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)تعرض لنا في سائر النواحي كلها جمالا وكمالًا استثنائيًا. فتعرض في حياة الرسول(صلى الله عليه وسلم)جماليات السلوك كلها إما بشكل جوهري وإما بشكل تفصيلي. ولهذا السبب فإن كل إنسان يمكن أن يجد في حياة النبي الشريفة وفي سنته المضيئة أجمل السلوكيات وأكملها التي يمكن أن يتخّيرها لنفسه.

فرسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)هو النموذج في قيادة الدين، وهو النموذج في رئاسة الدولة. وهو النموذج للداخلين في علاقة محبة إلهية. وهو النموذج بشكره وتواضعه عندما تغمره آلاء ربه.

وهو النموذج بصبره وتسليمه في أوقات وأماكن الشدة. وهو النموذج بكرمه واستغنائه عند الغنيمة. وهو النموذج برحمته وشفقته مع أهل بيته. وهو النموذج برحمته مع الضعفاء والعبيد وأبناء السبيل. وهو النموذج بعفوه ومسامحته للمجرمين.

فلو كنت شخصًا غنيًا صاحب ثروة تحكم جزيرة العرب كلها، ففكر في تواضع وكرم النبي العظيم(صلى الله عليه وسلم)الذي قاد كل عظماء العرب بالمحبة.

ولو كنت واحدًا من الرعايا الضعفاء، فاتخذ من حياة رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)مثالًا لأنه عاش تحت حكم المشركين الظالمين في مكة.

ولو أردت أن تكون فاتحًا مظفرًا، فاعتبر من حياة النبي(صلى الله عليه وسلم)الذي سعى بجسارة وتسليم لهزيمة العدو في بدر وحنين.

ولو تعرضت للهزيمة، فتذكر في ذلك الوقت النبي(صلى الله عليه وسلم)المتوكل الذي طاف صابرًا شجاعًا بين أصحابه الذين سقطوا شهداء أو أصبحوا جرحى في غزوة أحد.

ولو كنت معلمًا، ففكر في النبي الذي علم الأوامر الإلهية وأفاضت بركات قلبه الرقيق والحساس على أصحاب الصفة في المسجد.

ولو كنت طالبًا، فتصور رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)جالسًا بأدب وانتباه وشوق أمام جبريل الأمين(عَلَيْهِ السَّلَامُ)الذي جاءه بالوحي.

ولو كنت واعظًا ينصح الناس ومرشدًا أمينًا، فأصغ بأُذن صاغية للنبي(صلى الله عليه وسلم) ، وأعط سمعك وقلبك لصوته العذب وهو ينثر الحكم وهو يتحدث مع أصحابه في المسجد النبوي.

ولو كنت مدافعًا عن الحق مبلغًا له متمسكًا به، ولم تجد النصير الذي يعينك على هذا، فانظر إلى حياة النبي(صلى الله عليه وسلم)الذي جهر بالحق أمام الظالمين ودعاهم إلى الهدى في مكة وهو محروم من أية مساعدة.

ولو كنت تسعى لهزيمة العدو وأن تقصم ظهره وأن تقهر عناده وتتفوق عليه، ولو أردت أن تمزق الباطل وتعلن الحق، فضع نصب عينيك رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)الذي كان قائدًا مظفرًا يوم فتح مكة ولكنه كان شاكرًا دخل إلى البلد الحرام ساجدًا على ظهر ناقته بتواضع كبير.

ولو كنت شخصًا صاحب زراعة وأردت أن تنظم أعمالك فيها، فاتخذ النموذج من رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)الذي وضع على رأس العمل أشخاصًا أداروه على أكمل وجه بعد أن ملك أراضي بني النضير وخيبر وفدك.

ولو كنت وحيدًا غريبًا بلا نصير، ففكر في ذلك اليتيم النوراني الذي كان قرة عين عبد اللّٰه وآمنة.

ولو كنت شابًا يافعًا، فانتبه لحياة الشاب الذي سيصير رسولًا والذي كان يرعى الأغنام لعمه أبي طالب في مكة.

ولو كنت تاجرًا، فلاحظ أحوال الشخص الذي خرج مع قوافل التجارة وكان أكثر أفراد القافلة الذاهبة من سوريا إلى بُصرى التزامًا.

ولو كنت حكمًا وقاضيًا، ففكر في التصرف العادل والذكي للنبي(صلى الله عليه وسلم)عندما دخل على عظماء مكة وقد كادوا يتشاجرون ويتقاتلون فوضع الحجر الأسود في مكانه في الكعبة.

ومرة أخرى حّول نظرك إلى التاريخ وانظر مرة أخرى إلى النبي(صلى الله عليه وسلم)الذي جلس في المسجد النبوي في المدينة يصدر الأحكام في أعدل صورة بين البشر مساويًا بين الفقير المعسر والغني صاحب الحظوة.

ولو كنت زوجًا فانتبه إلى هديه الطاهر المبارك وإحساسه العميق ورحمته عندما كان زوجًا للسيدة خديجة والسيدة عائشة(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ).

ولو كنت أبا لولد فتعلّمْ أحواله وسلوكه حيث كان والدًا لفاطمة الزهراء وجدًا للحسن والحسين (رَضِيَ (اللَّهُ عَنْهُمَا .

وأيا ما كانت صفتك، وأيا ما كانت أحوالك، فستجد دائمًا في سيدنا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)أكمل مرشد لك، وأجمل هاد لنفسك.

وهو مرشد لك لأنك تصحح كل خطأ ارتكبته عليه فتنظم أعمالك التي حادت عن الصواب، وتصلح الأمور كلها متبعًا لسننه الشريفة. وفي ظل نوره وإرشاده سوف تتخلص من عوائق الحياة وموانعها وسوف تجد السعادة الحقيقية.

حقُا إن عالمه الوجداني القلبي(صلى الله عليه وسلم)كان حديقة غناء مثل حدائق الجنة تزينت بالأزهار الندية الرائعة والورود ذات رائحة المسك.

وكما رأينا فإن حياة النبي(صلى الله عليه وسلم)هي أكمل نموذج أيضًا لمن يجدون أنفسهم في خصام مع المجتمع. فمثلًا حياة المحكوم لا تشكل نموذجًا لحياة الحاكم، وحياة الحاكم لا تشكل نموذجًا لحياة المحكوم.

وبنفس الشكل أيضًا فإن حال الفقير الذي أمضى عمره كله في صراع لتوفير لقمة العيش وهو يعاني الحرمان، لا يمكن أن يكون نموذجًا لغني يسبح في الترف.

أما حياة النبي(صلى الله عليه وسلم)فهي تقدم النموذج لكلا الطرفين؛ لأن الحق(جَلَّ جَلَالُه)جعل النبي(صلى الله عليه وسلم)يبدأ من “اليتم” الذي يمثل الذروة في العجز داخل المجتمع الإنساني، وجعله يترقى ويرتفع إلى أعلى نقطة من ناحية القدرة والصلاحية مرورًا بدرجات الحياة كلها أي الوصول إلى النبوة ورئاسة الدولة. فخلال مراحل حياة النبي(صلى الله عليه وسلم)تعرض لكثير جدًا من السلوكيات المثالية التي تتجلى فيها أنواع المد والجذر كلها التي يمكن أن تحدث في حياة الإنسان. ولهذا السبب فإن حياته(صلى الله عليه وسلم)- مهما كانت درجة الفرد ومكانته في الحياة – تشكل نموذجًا فعليًا كاملًا يمكن للبشر كلهم أن يقلدوه كل على حسب استطاعته واستعداده.

والحاصل أنه(صلى الله عليه وسلم)كان أكبر معجزة تجلى بها الحق(جَلَّ جَلَالُه)على الإنسانية وكان أجمل نموذج مثالي لبني الإنسان من كل مسلك ومشرب من أدنى درجات المجتمع إلى أعلى درجة فيه. وكان(صلى الله عليه وسلم)أكمل ميزان فعلى للمؤمنين الذين تعمقوا في شخصيته النموذجية التي لا نظير لها.

إن البشر جميعًا– باستثناء الأنبياء والرسل ومن سار على خطاهم من الصالحين – الذين ادعوا أن بإمكانهم إظهار طريق الخلاص للإنسانية، وأن كل واحد منهم يمثل نموذجًا لبقية البشر- كان لديهم نقص دائم في هذا الشأن وبخاصة الفلاسفة الذين تصدوا لإيضاح كل شيء بعقولهم ومداركهم العاجزة. ولأن الأنبياء يستندون على الوحي الإلهي، فقد جاءوا كمرشدين للهداية الإلهية التي تصدقهم جميعًا فكلهم يتلقون ويبلغون الأحكام الإلهية التي جاءت من اللّٰه تعالى. وهم كانوا يقولون دائمًا” هكذا يأمر اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه) ”. وعلى ذلك فإن الفلاسفة رغم أنهم يهدفون لأن يكونوا مرشدين للناس في طريق الحقيقة، فأنهم نظرُوا لحرمانهم من التأييد الإلهي، وأنهم يفكرون بعقولهم القاصرة الخاضعة لسلطة نفوسهم؛ فإنهم يعطون أحكامهم طبقًا لرأيهم ويقول الواحد منهم دائمًا: “هكذا أرى أو حسب ما أرى”. ونتيجة هذا الخلاف نرى بعضهم يبطل نظرية الآخر وبعضهم يكذب بعض، ولهذا السبب فلا هم أرشدوا أنفسهم ولا هم أرشدوا مجتمعاتهم.

فأرسطو مثلًا مع أنه وضع أساس مجموعة من قوانين فلسفة الأخلاق وقواعدها، إلا أنه كان محرومًا من الوحي؛ لذا لم يستطع أن يجد شخصًا واحدًا يؤمن بفلسفته، أو حصل على السعادة بتطبيق تلك الفلسفة. وسبب ذلك أن الفلاسفة لم يعرفوا تصفية لقلوبهم أو تزكية لنفوسهم، ولم تستطع أفكارهم وأفعالهم أن تنضج وتكتمل بمساعدة الوحي. وبالتأكيد فإن الوسيلة الوحيدة التي يمكنها أن تخلص بني الإنسان من المصائب التي تجلبها الملكات الذهنية والميول القلبية -التي لم تتهذب ولم تترب بالوحي- هي القرآن الكريم. فالقرآن هو الحبل المتين الذي وهبه اللّٰه تعالى للبشرية مع نبي آخر الزمان(صلى الله عليه وسلم) . والواقع أن أكثر النماذج الفعلية والعملية للحقائق التي في القرآن موجودة في السيرة الغنية لسيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم) . وفي تلك الحال فإن أكثر الأعمال ضرورة لبني الإنسان المكلفين بتحقيق الغاية من خلقهم هي الاستقامة والتحرك بصدق مع القرآن المجيد والسنة المطهرة.

وقد ترك(صلى الله عليه وسلم)لنا نحن أمته أكبر مرشدين وهما القرآن والسنة؛ لأن القرآن الكريم والسنة النبوية هما وصفة العلاج للدنيا والآخرة وهما الذكرى الأبدية لـ“نور الوجود”(صلى الله عليه وسلم) .

ومن ناحية أخرى فإن سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم)قد أسعد نفسه قبل أن يبدأ في حمل الرسالة. فقد أجبر الناس على أن يسموه الصادق الأمين قائلين: “أنت الأمين وأنت الصادق”. وقد بدأ الرسول(صلى الله عليه وسلم)في تبليغ دعوته بعد أن تأكد هذا الأمر في شخصه الشريف.

وقد عرف الناس طبعه الجميل وطيبته واستقامته حتى قبل النبوة وقد أحبوه لذلك. و لقبه قومه بالأمين وسلموا لحكمه دون اعتراض عندما اختلفوا في وضع الحجر الأسود في مكانه عند تعمير الكعبة.

ولأن حال النبي(صلى الله عليه وسلم)دائمًا كان الصدق لذا فعندما سأل هرقل إمبراطور الروم أبا سفيان -وكان لم يؤمن بعد- وكان من أكبر أعداء النبي(صلى الله عليه وسلم)قال: “هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟” فلم يجد أبو سفيان شيئًا آخر إلا أن يقول: “لا”vi إن أهل مكة يصدقونه في كل ما يقول، لأنهم لم يعهدوا منه إلا الأمان.

وذات يوم أيضًا قال أبو جهل وأصحابه للنبي(صلى الله عليه وسلم)وكانوا من أشرس أعدائه: “يا محمد إنا واللّٰه ما نكذبك وإنك عندنا الصادق ولكن نكّذب ما جئت به”. فنزلت في تلك الحادثة الآية الكريمة التي تقول:

«قَدْ نَعْلَمُ اِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذ۪ي يَقُولُونَ فَاِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلٰكِنَّ الظَّالِم۪ينَ بِاٰيَاتِ اللّٰهِ يَجْحَدُونَ» (الأنعام، 33)vii

وهذه الحادثة تلقي الضوء أيضًا على الأسباب التي جعلت المشركين يلقبونه(صلى الله عليه وسلم)بـ“محمد الأمين” فقد ذكرت كتب السيرة أن أحد الرعاة اليهود أثناء غزوة خيبر جاء إلى الرسول(صلى الله عليه وسلم)وتحدث معه وطلب أن يدخل الإسلام وأن ينضم للمسلمين فأمره الرسول أن يعيد قطعان الغنم إلى أصحابها ثم يعود ويلحق بهم.viii فضلًا عن ذلك فإن هذا الأمر بلا شك في تلك اللحظة -التي كانت هناك أزمة غذاء تطل برأسها بين المسلمين عندما طالت الحرب بعد قتال ضروس- يعرض شعور المسئولية حتى في أصعب الأوقات وأهمية مراعاة الأمانة في كل وقت.

أما الاستفادة الحقيقية من أخلاق وحال النبي العظيمة تلك فقد تمثل في حادثة الإسراء والمعراج عندما وصل حال التسليم والتصديق بأبي بكر الصديق (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)أن قال عبارته الخالدة:

إن كان قد قال فقد صدق”.

والواقع أن مظاهر العدالة والرحمة والشفقة في حياته(صلى الله عليه وسلم)و التي لا يمكن ان تُحصى، تمثل نموذجًا للدنيا كلها إلى يوم القيامة.

وأية عين منصفة تشاهد نوره البرّاق الذي سطع على العالم من مشكاته الذي لا مثيل له لابد لها ألا تنكر حقيقته وجدانيًا على أقل تقدير.

ومثلما رأينا فإن كثيرًا من أرباب العلم الأجانب أصحاب العقول السليمة قد صدقوا وجدانيًا بعظمة سيدنا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)ونجاحه. فقد تحدث عنه توماس كارليل فقال:

لقد كان ظهوره انسلاخًا للنور من الظلمة”

وكتبت دائرة المعارف البريطانية عن فضل النبي(صلى الله عليه وسلم)تقول:

إن ما وصل إليه محمد(صلى الله عليه وسلم)لا يمكن أن يناله نبي، ولا مصلح، ولا رجل دين طوال تاريخ الإنسانية”

وقال ب. سميث:

إن محمدًا(صلى الله عليه وسلم)هو أكبر المصلحين بلا قيد ولا شرط وبإتفاق الجميع”

وقد اعترف بتلك الحقيقة الكاتب ستانلي لين بول فقال:

إن اليوم الذي استطاع فيه محمد أن يحقق أكبر انتصار له على الأعداء وفي نفس الوقت حقق فيه أكبر انتصار لأكبر الفضائل على نفسه. حيث أنه أطلق سراح الجميع وعفا عن قريش دون أي مقابل وشمل ذلك أهل مكة جميعهم في ذلك اليوم”

وقال الكاتب آرثر جيلمان أيضًا:

لقد شاهدنا علو قدره في فتح مكة حيث لم يتأثر بما قاموا به تجاهه في الماضي وكان يمكن أن يدفعه ذلك لأن ينتقم منهم شر انتقام ولكن محمدًا(صلى الله عليه وسلم)منع جيشه من سفك أي نوع من الدماء وأظهر رحمة كبيرة وشكر اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)على ذلك وحمده”

والفيلسوف أيضًا لو فيت والذي كان واحدًا من واضعي الأسس الفكرية للثورة الفرنسية عام 1789م قبل إعلان حقوق الإنسان، عندما كان يدرس النظم القانونية كلها حيث رأى تفوق القانون الإسلامي صرخ قائلًا:

كم كنت عظيم القدر والشأن يا محمد! لقد وصلت إلى القمة في العدالة حيث لم يستطع أحد أن يصل إليها حتى اليوم ولا يمكن لأحد أن يصل إليها بعد ذلك”ix

وهكذا تكون الفضيلة الحقيقة التي يسلم بها حتى العدو ويجد نفسه مضطر للاعتراف والتصديق بها. حتى من لا يؤمنون به(صلى الله عليه وسلم)اعترفوا بفضله وحكمته.لأن السيرة الاستثنائية للنبي(صلى الله عليه وسلم)أجابت عن كل أمر من الأمور المختلفة وجمعت في داخلها التكامل الأخلاقي، وهو قد نثر النور في طريق الباحثين عن النور. وهو ما شكل نقطة الأساس لتعليم البشر كلهم على وجه الأرض.

وهديه(صلى الله عليه وسلم)كان نورًا لا يخفت أضاء الطريق الصحيح لكل من يبحث عنه. وكان المرشد الذي لا مثيل له للبشر كلهم.

إن حلقة الدرس والإرشاد والخاصة بالرسول(صلى الله عليه وسلم)كانت جامعة جمعت الطوائف من طبقات الإنسانية كلها، وقد انصهرت فيها الطوائف كلها وتوحدت رغم اختلاف اللغات والثقافات والألوان والفروق الطبقية والوضع الاجتماعي.

ولم يكن هناك أي قيد أو شرط يمنع أي إنسان من الدخول فيها. فلم يكن ذلك المجلس قاصرًا على قوم بعينهم بل كان مركزًا علميًا وعرفانيًا يهتم بالإنسان من حيث كونه إنسانًا فقط، وكان فيها القوي مع الضعيف لا فرق بينهما.

وانظروا نظرة إلى من اتبع سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم)فسوف ترون أشخاصًا من علية القوم مثل النجاشي ملك الحبشة، وذو الكيلة رئيس حمير، وفيروز الديلمي، وفروة عظيم معن، وعبيد بن جعفر من ولاة عمان ومركبود من عظماء اليمن.

ولو عطفت النظر مرة أخرى لرأيت إلى جانب هؤلاء العظماء يجلس بلال، وياسر، وصهيب، وخباب، وعمار من عوام الناس، ولوجدت بينهم جواري وأرامل مثل سمية، ولبنه، وزنارة، ونهدية، وأم عباس.

وكما كان يوجد بين أصحاب النبي العظيم(صلى الله عليه وسلم)أصحاب النُهى والرأي الثاقب والعقل الواسع، كان يوجد أيضًا أشخاص يصلحون لأدق الأعمال عارفين بأسرار الدنيا يستطيعون إدارة الدول بكل الدراية واللياقة.

لقد خرج من أتباع النبي(صلى الله عليه وسلم)من حكم المدن و حكم الولايات. وقد نشر هؤلاء بين الناس السلامة والسكينة والتحموا بهم كأنهم أخوة لهم. وعرف البشر السعادة في ظلهم، وذاقوا طعم العدالة في حكمهم.



القسم الثاني


أخلاق رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)العالية

مقاييس عالية تُطاول النجوم




أخلاق رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)العالية

عبر التاريخ لن نجد أحدًا ارتبط بالأخلاق الحميدة في كل جوانبها مثل النبي(صلى الله عليه وسلم) . ومهما بحثنا ودرسنا فلا يمكن أن نجد شخصًا آخر تجمعت فيه هذه الخصال الحسنة جميعها. ولو حاولنا ذكر الخصائص كلها التي كونت شخصية النبي(صلى الله عليه وسلم)النموذج فلن تكفي المجلدات لذكرها.

والواقع أن العلوم الإسلامية في الأساسx كانت تتخذ من شخصية النبي(صلى الله عليه وسلم)في جوانبها المتنوعة دليلًا. كما كانت تفعل نفس الشيء عند الاجتهاد.xi ولهذه الأسباب فقد سعت فروع العلم المتنوعة كلها إلى تناول جوانب النبي(صلى الله عليه وسلم)ودراستها جميعًا.

وقد سعت المؤلفات الإسلامية كلها التي أُلفت منذ تاريخ يزيد عن ألف وأربعمائة عام إلى بيان الكتاب وهو القرآن الكريم وإلى بيان الإنسان وهو سيدنا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم) .

وليس من الممكن أن نفهم بقدراتنا واستعدادنا البشري القاصر فخر الكائنات سيدنا محمد(صلى الله عليه وسلم)الذي كان معجزة الخلق فهما كاملًا. فمثلًا لا يمكن إدراك “النور المحمدي” كما يجب؛ لأن الانطباعات التي تؤخذ من عالمنا البشري تبقى غير كافية لإدراكه وفهمه(صلى الله عليه وسلم) .

ونحن هنا سنجتهد في التعريف بالشخصية النموذج رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)بأن نعرض -على قدر إدراكنا فقط - عددًا من الأمثال التي تشكل بحرًا زاخرًا.



جمال وجه رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)وخَلقه وأخلاقه

إن رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)هو وجود مبارك لم يخلق مثله، فقد كان جميل الصورة كامل السيرة والهدي. ولا يمكن أن نعبر بما يليق عن كامل صورته وسيرته(صلى الله عليه وسلم) .

وفي ذلك يقول الإمام القرطبي:

إن حسن جمال رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)لم يظهر كاملًا، لأنه لو ظهر على حقيقته التي احتوت الجمال كله ما استطاع أصحابه أن يجدوا في أنفسهم الطاقة لينظروا إليه”xii

لقد استطاع قليل جدًا من أصحابه(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)-بسبب أدبهم- أن يشاهد نور جماله(صلى الله عليه وسلم)حتى يرتوي ويشبع، حتى ورسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)بينهم ومعهم على الدوام. حتى أنه يُروى أن النبي(صلى الله عليه وسلم)عندما كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) فَلاَ يَرْفَعُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَصَرَهُ إِلاَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا. (الترمذي، المناقب، 16/3668)

وقد ذكر عمرو بن العاص (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فاتح مصر هذا الموقف في أواخر عمره فقال:

وما كان أحد أحبَّ إلي من رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)ولا أجلَّ في عيني منه. وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له. ولو سئلت أن أصفه ما أطقت”. ( مسلم، الإيمان، 192)

وكان وجه النبي(صلى الله عليه وسلم)المبارك الذي يشيع السكينة والطمأنينة فيمن حوله جميعًا هو أجمل الوجوه وأطهرها.

حتى أن الصحابي عبد اللّٰه بن سلام (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) الذي كان أحد علماء اليهود قبل أن يسلم قال عندما رأى وجه النبي(صلى الله عليه وسلم)المبارك عندما وصل إلى دار الهجرة المدينة المنورة قال:

إن هذا الوجه ليس بوجه كذاب” (الترمذي، القيامة، 42/ 2485؛ ابن ماجه، الأطعمة، 1؛ أحمد، 5/451)

ولأن الجمال والهيبة والنورانية والحسن كان على قدر النبي(صلى الله عليه وسلم)لذا لم يكن رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يحتاج إلى معجزة أو دليل أو برهان على أنه رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم) .

وكان وجه رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يتغير في الحال عندما لا يرغب في شيء ما، وعندما كان يستحسن شيئًا ما كان الرضا يظهر على وجهه. وذلك لأن الحياة والحياء القوي والعظمة المدهشة في جسده الطاهر كانت كاملة لا نقصان فيها. أما إيضاح عمق رقة قلبه فلا سبيل لوصفه.

وكان نور الحُسن يوجد في وجهه، والسلاسة والتدفق في كلامه، والذوق في حركاته والطلاقة في لسانه، والفصاحة في حديثه، والبلاغة الخارقة في بيانه.

ولم يكن(صلى الله عليه وسلم)يتحدث في فضول الكلام، بل كان كلامه كله الحكمة والنصيحة. ولم يكن قاموسه يعرف القيل والقال وما لا معنى له من الكلام أبدًا. وكان يتحدث بالكلمة بحسب فهم كل فرد وإدراكه.

كان(صلى الله عليه وسلم)متواضعًا ولينًا، ولم يكن ضحكه قهقهة، بل كان جُل ضحكه تبسمًا. وكان من يراه(صلى الله عليه وسلم)فجأة يتغير وجهة خشية منه. ومن يصاحبه ويتآلف معه يعشقه ويحبه من روحه وقلبه جميعهم.

وكان يحترم أرباب الفضائل كل بحسب درجته. وكان يحتفي بأقاربه أكثر. ومثلما كان يحسن معاملة أهل بيته وأصحابه، فإنه كان يعامل بلطف ورفق بقية البشر كلهم.

وكان يكرم غاية الإكرام خدمه فيلبسهم مما يلبس ويطعمهم مما يأكل. وكما أنه كان كريمًا وصاحب فضل ورحيمًا وشفوقًا، فإنه كان جسورًا وشجاعًا عند الضرورة حليمًا إذا اقتضى الأمر ذلك.

ومن غير الممكن أن نقدر كرمه وعطاءه بالدرجة التي تليق به. فقد كان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.وقد وضح سيدنا جابر (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) هذا الأمر فقال:

ما سُئل رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)شيئًا قط فقال: لا” (مسلم، الفضائل، 56)

لقد كان(صلى الله عليه وسلم)صاحب أجمل أدب وخلق يزور أقاربه كثيرًا، ويظهر أقصى الرحمة والشفقة بالخلق، ويعامل الناس أحسن معاملة، ويتجنب الأخلاق السيئة دائمًا.

يقول(صلى الله عليه وسلم) :

مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللّٰهُ لَيَبْغُضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ” (الترمذي، البر، 62/2002)

وكان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)صادقًا في وعده وعهده وكلمته. وكان(صلى الله عليه وسلم)أكثر الناس ذكاءً وكانت شمائله كلها تليق بالمدح والثناء. وكان(صلى الله عليه وسلم)دائم الحزن متواصل التفكير. وكان يطيل الصمت وإذا تكلم كان يتم الكلام. وكان يجمع المعاني الكثيرة في بضع كلمات قليلة، أي أنه أوتي جوامع الكلم، وكانت كلماته تعد، وكان يترك فضول الكلام قليله و كثيره. وكان رقيقًا بطبعه رغم هيبته وصلابته. وكان لا يغضب إلا إذا انتُهك الحق ولم يذعن الناس للحق. وإذا انتُهك حق كان يغضب ويستمر غضبه حتى يعيد الحق إلى مكانه. وبعد أن يحق الحق كانت تغمره السكينة. ولم يكن(صلى الله عليه وسلم)يغضب لنفسه قط، ولم يكن يدافع عن نفسه في أي أمر يتعلق بشخصه الشريف، ولم يدخل في نقاش وجدال مع أي شخص.

ولم يكن(صلى الله عليه وسلم)يدخل بيتًا حتى يؤذن له. وعندما كان يدخل إلى بيته الشريف كان يقسم مدة بقائه في بيته إلى ثلاثة أقسام: الأول لعبادة اللّٰه تعالى، والوقت الثاني لعائلته، والوقت الثالث لنفسه. وكان يخصص الوقت الذي قسمه لنفسه للناس جميعًا: العوام، والخواص. وكان لا يحرم أي شخص منهم، وكان يفتح قلبه للناس كلهم.

وكان يجلس في جميع أنحاء المسجد لكي يمنع عادة الجلوس في مكان واحد معلوم. لأنه لم يكن يرغب في إضافة القدسية للأماكن والمقامات. ولم يكن يحب أن يتخذ وضعًا معلومًا في المساجد حتى لا تكون سببًا للكبر والتكبر. وعندما كان يدخل إلى أحد المجالس أيما مكان وجده خاليًا جلس فيه، وكان يطلب من كل فرد أن يفعل مثله.

وإذا طلب منه شخص قضاء حاجة لم يكن يهدأ حتى يوفرها له مهمة كانت أو غير مهمة، عظيمة كانت أو بسيطة. وإذا لم يستطع قضاء تلك الحاجة لم يكن يرجعه خالي اليد، بل يطيب خاطره وقلبه بكلمة طيبة. وكان(صلى الله عليه وسلم)يشارك الناس آلامهم. و كان الناس عنده جميعًا سواء أيما كانت مواقعهم ومكانتهم، غنيهم وفقيرهم، عالمهم وجاهلهم. وكانت مجالسه(صلى الله عليه وسلم)هي مكان لتطبيق الفضائل مثل: الحلم، والعلم، والحياء، والصبر، والتوكل، والأمانة.

ولم يكن(صلى الله عليه وسلم)يلعن أي شخص بسبب عيوبه ونقائصه. بل عندما يجد شخصًا يحتاج لمن ينبهه ويعلمه؛ كان يعلمه بالإيماء وبشكل جميل دون أن يؤذيه. كما أنه لم يكن يُشغل بالعيوب والنقائص التي يخفيها أحد الأشخاص فإنه(صلى الله عليه وسلم)كان يمنع بشدة أيضًا أن يقتفى أحد هذه الأحوال.

ولم يكن فخر الكائنات(صلى الله عليه وسلم)يتحدث إلا فيما يجلب الثواب. وكانت مجالس صحبته تغمرها المحبة فإنه عندما كان يتحدث كان من يتحلق حوله يصغي بآذان الروح كأنه مسحور. وكان الأدب والسكينة تلف من هم في صحبة الرسول(صلى الله عليه وسلم)وكان هذا حالهم. وكانوا يعبرون عن تلك الحال:

كأنما على رؤوسنا الطير” (أبو داود، السنة، 23-24/4753)

وقد انعكس أدب وحياء رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)على أصحابه حتى أنهم كانوا يستجمعون جرأتهم عدة مرات كي يسألوه سؤالًا. ولهذا السبب كانوا ينتظرون الفرصة أن يأتي أحد الأعراب من الصحراء ليسأل النبي(صلى الله عليه وسلم)ويقولون: هلا لو استفدنا من فيض الرسول(صلى الله عليه وسلم)وروحانيته التي تشع على المجلس؟. وقد كان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)نموذجًا ورمزًا خالصًا طوال حياته. ولم يقل شيئًا لم يكن في قلبه. وكانت أخلاقه وعاداته قرآنًا حيًا. ولم يكن يأمر غيره بعمل لم يعمله بنفسهxiii



تواضع رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)

على الرغم من أن رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)قد وصل في مدة قصيرة إلى ملك واسع لم يستطع أي ملك أن يبلغه في الدنيا، كما أنه قد فتح القلوب كمعلم ومرب مثالي لبني الإنسان، فإنه حافظ على تواضعه القديم ولم يلتفت إلى أي من نعم الدنيا الكثيرة التي ارتمت تحت قدميه. وظل كما كان في السابق يعيش في غرفة فقيرة الحال وبسيطة ومتواضعة صنعت من اللبن. وكان ينام على فراش حشوه الليف. وكان يرتدي الألبسة البسيطة. و في بعض الأحيان عندما لم يكن يجد شيئًا يأكله كان يشكر ربه ويربط الحجر على بطنه الشريف من الجوع. و رغم أن اللّٰه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإنه كان دائم الشكر والتوسل. وكان يقيم الليل حتى تتورم قدماه.

وكان يصل الفقير ويواسي اليتيم ومن لا أنيس له. ورغم عظمته(صلى الله عليه وسلم) ، فإنه كان مشغولًا بأكثر الناس عجزًا وفقرًا. حتى أنه يبسط بالشفقة والرحمة جناحه عليهم.

ويوم فتح مكة عندما رأى الناس أكبر قوة عرفوها، وضرب الخوف والرعب قلوبهم واصطكت أسنانهم من الرعب. جاءه أحدهم تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ وقال يا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)علمني الإسلام فأخذ رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يعلمه الإسلام مذكرًا هذا المكي بحاله(صلى الله عليه وسلم)عندما كان ضعيفًا في مكة قبل فترة من الزمان وَقَالَ لَهُ:

‏“هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ” xiv

وبهذه الكلمات وصل رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)إلى ذروة التواضع التي لا يمكن لعظيم أن يصل حتى إلى أدناه.

ومرة أخرى أظهر الرسول(صلى الله عليه وسلم)لأبي بكر الصديق حبيبه ورفيق الغار جوابًا رقيقًا لأنه دخل المسجد بأبيه يقوده فلما رآه رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)قال له:

هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه!”xv

وكان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يعرّف نفسه دائمًا بأنه العاجز أبدا قائلًا عن نفسه:

«قُلْ اِنَّمَٓا اَنَا۬ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» (الكهف، 110)

وكان(صلى الله عليه وسلم)يخاف من أن تسقط أمته في الضلال مثل الأمم السابقة فيضيف إلى نفسه بإصرار كلمة “عبد اللّٰه” لتكون على رأس التصديق برسالته.

وقد نبه على من أظهر له تعظيمًا زائدًا عن الحد فقال:

لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد اللّٰه ورسوله” (الهيثمي 9/21)

وقد حمل رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)مع أربعة من أصحابه قصعة مملوءة بالثريد. وبعد أن أدى صلاة الضحى أحضر القصعة. وجمع أصحابه الكرام حوله. وعندما كثر الصحابة جثا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)على ركبتيه. وقد تحير الإعرابي الذي رأى هذا واندهش من جلسته المتواضعة تلك وقال: “كيف تجلس تلك الجلسة المتواضعة؟”.فرد عليه رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)قائلًا:

جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا” (أبو داود، الأطعمة، 17/3773)

نخلص من ذلك إلى أنه لم يتصرف(صلى الله عليه وسلم)أبدًا مثل البشر المتكبرين والمغرورين ومرة أخرى يوضح هذا الأمر قائلًا:

سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدخل أحدًا الجنة عملُه” وقد تحير الصحابة الكرام(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)فسألوه “ولا أنت يا رسول اللّٰه” فرد عليهم قائلًا: “ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّٰه بمغفرة ورحمة” (البخاري، الرقاق 18، مسلم، المنافقين 71، 72، ابن ماجة، الزهد 20، الدرامى، الرقاق 24)

ومرة أخرى ينبه رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)أمته إلى أن من لبس ثوبه بالكبر والغرور والعُجب ألبسه اللّٰه ثوب الوضاعة يوم القيامة. وهذه بعض الأحاديث التي قالها رسول اللّٰه والمتعلقة بهذا الأمر فيقول:

لا ينظر اللّٰه يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا” (البخاري، اللباس 1، 5)

وقال: “من لبس ثياب شهرة في الدنيا، ألبسه اللّٰه تعالى ثياب المذلة يوم القيامة” (ابن ماجة، اللباس 24)

وأيضًا كان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يوزع حتى الغنائم التي من نصيبه. وكان يعيش حياة متواضعة من الناحية المادية كأقل فرد في أمته.



كرم رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)

كان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يصف نفسه بأنه مأمور بالإنفاق وكان يقول إن اللّٰه تعالى هو المعطي وهو المالك.

وكان صَفْوَانُ بن أمية احد كبار المشركين ولم يكن قد أسلم بعد، وقد شهد مع رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)حُنَيْنًا، وَالطّائِفَ، ثُمّ رَجَعَ رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)إلَى الْجِعِرّانَةِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يَسِيرُ فِى الْغَنَائِمِ يَنْظُرُ إلَيْهَا، وَمَعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، جَعَلَ صَفْوَانُ يَنْظُرُ إلَى شِعْبٍ مُلِئَ نَعَمًا وَشَاءً وَرِعَاءً فَأَدَامَ إلَيْهِ النّظَرَ، وَرَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يَرْمُقُهُ فَقَالَ: “أَبَا وَهْبٍ يُعْجِبُك هَذَا الشّعْبُ؟” قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: “هُوَ لَك وَمَا فِيهِ” فَقَالَ صَفْوَانُ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا طَابَتْ نَفْسُ أَحَدٍ بِمِثْلِ هَذَا إلاّ نَفْسُ نَبِىّ أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلاّ اللّٰه، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ. وعندما عاد إلى قبيلته قال:

يا قومي أسلموا فو اللّٰه أن محمدً ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر”xvi

ومرة أخرى جاء أحدهم إلى رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)وطلب شيئًا ولم يجد رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)شيئًا ليعطيه إياه، فما كان منه إلا أن استدان ليعطي هذا الشخص وتعهد بأن يؤدي هذا الدين.xvii

وكان مثل جده إبراهيم(عَلَيْهِ السَّلَامُ)لا يترك ضيفه يتناول طعامه بمفرده. وكان يؤدي الدين عمن مات، أو يطالبهم بتأدية الدين. ولم يكن يصلي الجنازة على من لم يؤد دينه. وكان(صلى الله عليه وسلم)له حديث شريف يقول فيه:

السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللّٰهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ” (الترمذي، البر، 40/1961)

وفي حديث آخر يقول(صلى الله عليه وسلم) :

خَصْلَتَانِ لاَ تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ” (الترمذي، البر، 41/1962)



تقوى رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)

كان(صلى الله عليه وسلم)أكثر الناس تقوى. وقد طلب من الحق(جَلَّ جَلَالُه)أن يمنحه التقوى وفي ذلك يقول:

اللّٰهم! آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها. أنت وليها ومولاها” (مسلم، الذكر، 73)

ويقول أيضًا:

اللّٰهم! إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى” (مسلم، الذكر، 72)

وبسبب تقواه عاش كالفقراء. وفي ذلك تقول السيدة عائشة أم المؤمنين(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ) :

ما شَبِعَ نَبِيُّ اللّٰهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ الْحِنْطَةِ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللّٰهُ(جَلَّ جَلَالُه) ”‏ (البخاري، الإيمان، 22؛ مسلم، الزهد، 20-22؛ ابن ماجه، الأطعمة، 48)

وكان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يشجع أمته على التقوى فيقول:

إنَّ أَوْلى الناس بي المتقون من كانوا وحيثُ كانوا” (أحمد، 7، 235؛ الهيتمي، 9/22)

ويقول: “إِنَّمَا أَوْلِيَائِيَ الْمُتَّقُونَ” (أبو داود، الفتن، 1/4242)

ويقول أيضًا:

اتق اللّٰه حيثما كنت. وأتبع السيئة الحسنة تمحها. وخالق الناس بخلق حسن” (الترمذي، البر، 55/1987)

وقد وضح رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)الطريق الذي يكسب التقوى الحقيقية فقال:

لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ” ‏)الترمذي، القيامة، 19/2451؛ ابن ماجه، الزهد، 24)

وقد دل رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)الناس على الطريق الذي يُكسب التقوى الحقيقية فقال:

لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى” (أحمد، 5/ 411)

وهناك تعريف جميل للتقوى قاله سيدنا عيسى(عَلَيْهِ السَّلَامُ) : فقد جاءه رجل وقال له:

يا معلم الخير، علمني شيئا تعلمه وأجهله، وينفعني ولا يضرك.” قال: “ما هو؟” قال: “كيف يكون العبد تقيا للّٰه(جَلَّ جَلَالُه)حقًا؟” قال: “بيسير من الأمر؛ تحب اللّٰه حقا من قلبك، وتعمل له بكدك وقوتك ما استطعت، وترحم بني جنسك برحمتك نفسك” قال: “يا معلم الخير، ومن بنو جنسي؟” قال: “ولد آدم كلهم. وما لا تحب أن يؤتى إليك، فلا تأته إلى غيرك؛ فأنت تقي للّٰه حقًا”xviii

سأل عمر بن الخطاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ذات يوم أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): “ما هي التقوى” قال أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): “يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقًا ذا شوك؟” قال: “بلى”، قال: “ماذا صنعت؟” قال: “شمرت واجتهدت” قال: “فذلك التقوى”xix

وكان أقرب الناس إلى قلب رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)المتقون وفي ذلك يقول معاذ بن جبل: “أرسلني رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)واليًا على اليمن وشرفني حتى حدود المدينة ليودعني. وكنت أركب على دابتي وكان هو يمشي(صلى الله عليه وسلم)وأراد أن يوصيني ببعض الوصايا فقال:

يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري.” فبكى معاذ جذعًا لفراق رسول(صلى الله عليه وسلم)اللّٰه ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال:

إن أَوْلى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا”xx


زهد رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)

لقد دخلت الأمم السابقة كلها تحت حكم سيدنا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)وهي راضية. وكان(صلى الله عليه وسلم)يحكم جزيرة العرب كاملة. ورغم استطاعته أن يفعل أي شيء يرغب فيه، إلا أنه استمر في حياته البسيطة. وقال: لا أريد أن أملك أي شيء لنفسي. وأخبر أن كل شيء يكون بقدر اللّٰه وقدرته. ودار الزمان وجاءته الثروات الواسعة. وكانت قوافل الجمال المحملة بالخزائن تساق إلى المدينة المنورة. وكان(صلى الله عليه وسلم)يوزعها كلها على أصحاب الحاجات وكان يستمر في حياة الزهد نفسها التي كان يعيشها وكان يقول:

ما يسرني أن لي أحدًا ذهبًا. تأتي علي ثلاث وعندي منه دينار. إلا دينار أرصده لدين علي” (البخاري، التمني، 2؛ مسلم، الزكاة، 31)

وكانت الأيام تمر ولم تكن توقد في بيت رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)نار لطهي الطعام وكان ينام جائعًا مرات كثيرة. (أحمد، 6/217؛ ابن سعد، 1/405)

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مُضْطَجِعٌ مُرْمَلٌ بِشَرِيطٍ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَدَخَلَ عُمَرُ فَانْحَرَفَ رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)انْحِرَافَةً فَلَمْ يَرَ عُمَرُ بَيْنَ جَنْبِهِ وَبَيْنَ الشَّرِيطِ ثَوْبًا وَقَدْ أَثَّرَ الشَّرِيطُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللّٰه صَلَّى اللّٰه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَكَى عُمَرُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وسلم)“مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟” قَالَ “وَاللّٰه إِلَّا أَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْرَمُ عَلَى اللّٰه(جَلَّ جَلَالُه)مِنْ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَهُمَا يَعْبَثَانِ فِي الدُّنْيَا فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)بِالْمَكَانِ الَّذِي أَرَى” فَقَالَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وسلم) :

أمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ” قَالَ عُمَرُ “بَلَى” قَالَ “فَإِنَّهُ كَذاكَ”xxi

وقد شبه رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)حاله مع الدنيا فقال:

مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا”xxii هكذا كانت سيرته(صلى الله عليه وسلم)سيرة كاملة.

وكثيرًا ما كان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يخشى من الحساب يوم القيامة ويخاف من نعم الدنيا فيدعو اللّٰه قائلًا:

اللّٰهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة” (الترمذي، الزهد، 37/2352؛ ابن ماجه، الزهد 7)

وكان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يريد هذا الأمر لأنه يعرف أن الأنبياء سيُسألون هم وغيرهم من الناس يوم القيامة. وفي ذلك يقول المولى(جَلَّ جَلَالُه) :

«فَلَنَسْـَٔلَنَّ الَّذ۪ينَ اُرْسِلَ اِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ الْمُرْسَل۪ينَ» (الأعراف، 6)

والواقع أن ألفاظًا مثل الزهد والتقوى والإحسان هي ألفاظ مختلفة تفيد نفس المعنى تقريبًا. والغاية المشتركة لمثل هذه المفاهيم التي تشكل جوهر التربية الصوفية؛ هو الحد من رغبات النفس. وبذلك تتكشف الاستعدادات الروحية، ويصل الإنسان إلى “حضور القلب وصفاء النفس” ولكي تتحقق العبودية للحق(جَلَّ جَلَالُه)لابد أن يكون لدى الإنسان قلب سليم، وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة:

«اِلَّا مَنْ اَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَل۪يمٍ» (الشعراء، 89)



رقة سيدنا رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)

لقد كان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)صاحب قلب حساس رقيق للغاية فقد رأى الصحابة(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)رجلًا ذات يوم يبصق على الأرض. فاحمر وجه النبي(صلى الله عليه وسلم) . ووقف في مكانه ولم يتحرك. وهرع الصحابة(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)وغطوا تلك البصقة بالتراب، وبعد ذلك استمر رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)في طريقه.

وكان رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يأمر بحسن الهندام، ولم يرض أن تكون الملابس رثة وغير مهندمة. ولم يكن يحب أن تكون اللحية شعثاء غير مهذبة. فذات مرة كَانَ رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)بِيَدِهِ أَنْ اخْرُجْ كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللّٰه(صلى الله عليه وسلم) :

أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ”xxiii

ومرة أخرى رأى رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّق شَعْرُهُ فَقَالَ:

أَمَا كَانَ يَجِدُ مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ”‏.‏ وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ فَقَالَ:

أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ”‏ ‏ (أبو داود، اللباس 14/4062؛ النسائي، الزينة، 60)

ومرة أخرى دخل عليه رجل فِي ثَوْبٍ دُونٍ فَقَالَ: ‏“أَلَكَ مَالٌ؟‏”‏‏‏ قَالَ نَعَمْ‏.‏ قَالَ ‏“مِنْ أَىِّ الْمَالِ‏”‏.‏ قَالَ قَدْ أَتَانِيَ اللّٰه مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ‏.‏ قَالَ:

فَإِذَا أَتَاكَ اللّٰه مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللّٰه عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ‏”‏. (أبو داود، اللباس، 14/4063؛ النسائي، الزينة 54، أحمد، ج 4/ 147)

وفي حادثة أخرى قال(صلى الله عليه وسلم) :

إن اللّٰه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده” (الترمذي، الأدب 54 / 2819؛ أحمد، 11، 311)

لقد كانت شخصية سيد الخلق محمد(صلى الله عليه وسلم)تشكل ذروة الرقة وحسن الطبع واللطف واللين.

ورغم أن شخصًا غليظ الطبع قد دخل عليه وخاطبه أكثر من مرة قائلًا:

يا محمد، يا محمد”، إلا أن رسول اللّٰه خاطبه بلين ورفق وتلطف معه وقال له “ما شأنك؟”xxiv

ومرة أخرى فإن رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)بسبب رقته ولينه وحسن خلقه العالي كان يخدم ضيوفه ويكرمهم بنفسه (البيهقي، شعب، 6/518، جـ7 / 436)

وحتى في طفولته لم يدخل في نقاش أو جدال عقيم مع أي شخص. ولأنه كان صاحب رقة ولطف كبير، فإنه(صلى الله عليه وسلم)قد ربّى أهل بيته بهذه الأخلاق العالية.

أما حال حفيد النبي(صلى الله عليه وسلم)سيدنا الحسن(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)أكبر وأجمل مثال على ذلك:

ورؤي الحسن بن علي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يطوف بالبيت، ثم صار إلى المقام فصلى ركعتين، ثم وضع خده على المقام فجعل يبكي ويقول: عبيدك ببابك، خويدمك ببابك، سائلك ببابك، مسيكينك ببابك. يردد ذلك مراراً ثم انصرف(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ، فمر بمساكين معهم فلق خبز يأكلون، فسلم عليهم فدعوه إلى الطعام، فجلس معهم(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ، وقال: لولا أنه صدقة لأكلت معكم. ثم قال(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) :

«قوموا بنا إلى منزلي. فتوجهوا معه، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم»”. (انظر: الأبشيهي، المستطرف، بيروت، 1986م، ج 1، 31)

هذه الرقة وهذا اللطف والحنان هو أعظم مثال على تمثل المخلوق لنظرة الخالق الممتلئة بالرحمة والشفقة عند التعامل مع البشر.

ومثال آخر لسيدنا الحسن(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)يوضح تلك الحال، فذات يوم أن الحسن(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)كان مارا في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيف يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة إلى أن شاطره الرغيف. فتعجب الحسن(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)من تجلي اسم اللّٰه الرحمن “في هذه الرحمة” التي لدى العبد الذي كان يُطعم الكلب. فقال له:

ما حملك على أن شاطرته فلم يعاينه فيه بشيء؟” قال:

استحت عيناي من عينيه أن أعاينه” فقال له:

غلام من أنت؟” قال: “غلام أبان بن عثمان” فقال: “والحائط؟” فقال: “لأبان بن عثمان” وعند ذلك أراد الحسن(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)أن يكون معه هذا العبد الذي هو عبد في ظاهره، ولكنه في حقيقته حبيب للحق قريب منه. فقال له:

أقسمت عليك لابرحت حتى أعود إليك”

فمر فاشترى الغلام والحائط وجاء إلى الغلام فقال:

يا غلام قد اشتريتك” فقام قائما فقال:

السمع والطاعة للّٰه ولرسوله ولك يا مولاي” وعندما سمع الحسن(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)هذه الكلمات زادت مشاعر التعجب لصدق هذا العبد. وأمام صفاء قلب ذلك العبد ونقاء سريرته قال له الحسن:

وقد اشتريت الحائط وأنت لوجه اللّٰه حر والحائط هبة مني إليك” فقال الغلام:

يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له” (ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق، جـ7 / 25)



أدب وحياء رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)

لم يكن رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)يتحدث بصوت عال. وكان يلاقي الناس بالبسمة ولين الجانب. وعندما كان يسمع كلمة غليظة لا يستحسنها لم يكن يقول شيئًا أمام الناس. ولأن وجهه كان يعكس حال نفسه ومشاعره، لذا كان من حوله كلهم يتصرفون بحيطة في أحاديثهم وحركاتهم. وبسبب حيائه لم يكن يضحك بصوت عال أو قهقهة، وكان فقط يبتسم وكان الصحابة(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)يصفون رسول اللّٰه(صلى الله عليه وسلم)بأنه أكثر حياء من البكر في خدرها.


Continue reading this ebook at Smashwords.
Download this book for your ebook reader.
(Pages 1-63 show above.)